القاضي التنوخي
65
الفرج بعد الشدة
فقلت : غريب ، فقير ، أحملها معهما فأثاب ، فدخلت تحتها ، بدلا من أحد الحمّالين . فحين استقرّت على كتفي ، افتقدت الحمّال ، فلم أجده ، فصحت : يا حمّال ، يا حمّال . فقال الآخر : إمش ، واسكت ، قد انصرف الحمّال . فقلت [ 139 ر ] : السّاعة ، واللّه ، أرمي بها . فقال الحمّال : واللّه ، لئن فعلت لأصيحنّ . فاستحييت ، وقلت : ثواب ، فحملناها إلى مسجد الجنائز « 10 » ، فلمّا حططنا الجنازة في مسجد الجنائز ، هرب الحمّال الآخر . فقلت : ما لهؤلاء الملاعين ، واللّه ، لأتمّنّ الثواب ، فأخرجت من كمّي دراهم ، وصحت : يا حفّار ، أين قبر هذه الجنازة ؟ . فقال : لا أدري . فقلت : أحفر ، فأخذ منّي درهمين ، وحفر قبرا . فلمّا صوّبت عليه الجنازة ، ليأخذ الميت فيدفنه ، وثب الحفّار من القبر فلطمني ، وجعل عمّامتي في رقبتي ، وصاح : يا قوم قتيل ، فاجتمع الناس ، فسألوه . فقال : هذا الرّجل ، جاء بهذا الميت ، بلا رأس ، لأدفنه ، وحلّ الكفن ، فوجدوا الأمر على ما قاله الحفّار . فدهشت ، وتحيّرت ، وجرى عليّ من مكروه العامّة ، ما كادت نفسي تتلف معه . ثمّ حملت إلى صاحب الشرطة ، وأخبر الخبر ، فلم يرد شاهدا عليّ ، فجرّدت للسياط ، وأنا ساكت باهت .
--> ( 10 ) في م : فحملناها إلى الشونيزيّة ، والشونيزيّة : مقبرة بالجانب الغربي من بغداد ( معجم البلدان 3 / 338 ) ، أقول : اسمها الآن مقبرة الشيخ جنيد .